| Ref: PRS 2026/03/1013 | 8 مارس 2026 |
اليوم الدولي للمرأة 2026
يحيي العالم في الثامن من مارس اليوم الدولي للمرأة، وهي مناسبة للتأمل في التقدم المحرز عالميًا في مجال حقوق المرأة، وللتذكير بأن الطريق نحو المساواة لا يزال طويلًا، وللاحتفاء بشجاعة النساء اللواتي يواصلن الدفاع عن حقوقهن رغم التحديات. وتشير الأمم المتحدة هذا العام إلى أن النساء حول العالم ما زلن يواجهن فجوة واسعة في الأجور، وعنفًا قائمًا على النوع الاجتماعي يمس واحدة من كل ثلاث نساء، وتمثيلًا سياسيًا لا يتجاوز ربع المقاعد البرلمانية عالميًا. وفي ليبيا، تتضاعف هذه التحديات بفعل النزاع المسلح والانقسام السياسي وغياب الدولة، مما يجعل النساء والفتيات من أكثر الفئات تضررًا.
لقد شهدت ليبيا خلال السنوات الماضية استمرارًا للانتهاكات الجسيمة ضد النساء، في ظل انقسام سياسي عميق، وتوسع نفوذ المجموعات المسلحة، وتراجع مؤسسات الدولة، وغياب الإرادة السياسية لحماية النساء والفتيات. وقد أكدت المقررة الخاصة المعنية بالعنف ضد النساء والفتيات، خلال زيارتها إلى ليبيا في ديسمبر 2022، أن السلطات الليبية لم تُبدِ تعاونًا كافيًا، وأنها واجهت عراقيل حالت دون وصولها إلى أماكن الاحتجاز أو عقد اجتماعات رسمية، وهو ما يعكس بوضوح غياب الأولوية الممنوحة لقضايا العنف ضد النساء. كما وثقت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة أن الإفلات من العقاب أصبح قاعدة عامة، وأن الانتهاكات تُرتكب بشكل ممنهج من قبل جهات رسمية وغير رسمية دون مساءلة.
لقد كانت النساء والفتيات ضحايا مباشرة للعنف المسلح والقصف العشوائي في طرابلس ومرزق ودرنة وغيرها من المدن، حيث أدى استخدام الأسلحة الثقيلة والطائرات المسيّرة إلى مقتل وإصابة نساء وأطفال، وتدمير مرافق صحية وتعليمية، بما في ذلك المراكز الصحية المخصصة لرعاية الأمهات. وقد وثقت بعثة تقصي الحقائق مقتل ما لا يقل عن 43 شخصًا، بينهم نساء وأطفال، في ضربات جوية على مرزق في أغسطس 2019، مؤكدة وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن هذه الهجمات ترقى إلى جرائم حرب.
كما استمرت ظاهرة الاختفاء القسري التي طالت نساء من مختلف المناطق، من بينها اختفاء النائبة سهام سرقيوه منذ يوليو 2019 في منطقة خاضعة لسيطرة القوات التابعة لخليفة حفتر، دون أي تقدم في التحقيقات أو كشف لمصيرها، رغم المطالبات المحلية والدولية. وشهدت ترهونة واحدة من أبشع الجرائم، حيث عُثر على رفات نساء وفتيات في المقابر الجماعية التي خلفتها ميليشيا الكانيات، في سياق هجوم ممنهج استهدف معارضين حقيقيين أو مفترضين. كما اختُطفت نساء في درنة وبنغازي وطرابلس، ولا يزال مصير العديد منهن مجهولًا حتى اليوم.
ولم يقتصر العنف على الاختفاء والقتل، بل امتد إلى الاغتيالات السياسية، حيث شكّل اغتيال المحامية والناشطة حنان البرعصي في وضح النهار بمدينة بنغازي صدمة كبيرة، بعد أن تعرضت لحملة تشويه وتهديدات بسبب حديثها عن الفساد والابتزاز الجنسي والانتهاكات التي تتعرض لها النساء. وقد وثقت تقارير أممية أن العنف السياسي ضد النساء في ليبيا يتخذ أشكالًا متعددة، من بينها التهديد، والتشهير، والتحريض، والاعتداءات الجسدية، بهدف إسكات أصواتهن ومنعهن من المشاركة في الحياة العامة.
كما تتعرض النساء في السجون ومراكز الاحتجاز الرسمية وغير الرسمية لانتهاكات واسعة، تشمل الاعتقال التعسفي، والتعذيب، والعنف الجنسي، والاحتجاز في أماكن سرية دون إشراف قضائي. وقد أكدت المقررة الخاصة أن الاغتصاب والعنف الجنسي يمارسان في بعض السجون، وأن غياب الحارسات وحرية دخول الحراس الذكور إلى أماكن احتجاز النساء يزيد من مخاطر الاعتداء والاستغلال. كما وثقت بعثة تقصي الحقائق جرائم ضد الإنسانية في سجون تابعة لجهاز الردع، وكتيبة طارق بن زياد، وجهاز الأمن الداخلي، وجهاز دعم الاستقرار، حيث يتعرض المحتجزون والمحتجزات للتعذيب والاختفاء القسري والاعتداءات الجنسية.
وتواجه النساء في الحياة اليومية أشكالًا متعددة من العنف القائم على النوع الاجتماعي، من التحرش اللفظي والجسدي في الشوارع والجامعات والمؤسسات العامة، إلى الابتزاز الجنسي المرتبط بالسلطة والسلاح، كما في قضية رئيس لجنة أسر القتلى في بنغازي الذي استغل منصبه لابتزاز نساء جنسيًا. وتظل البيانات حول هذه الانتهاكات شحيحة بسبب الخوف من الوصمة الاجتماعية وغياب آليات الإبلاغ والحماية.
كما ارتفع العنف المنزلي خلال السنوات الأخيرة، خاصة خلال فترات الأزمات، حيث أظهرت دراسة لهيئة الأمم المتحدة للمرأة أن 46% من النساء عبّرن عن خوفهن من زيادة العنف داخل الأسرة خلال فترات الحجر والإغلاق في فترة جائحة الكورونا. ولا تزال ليبيا تفتقر إلى قانون شامل لمكافحة العنف ضد النساء، وإلى أوامر حماية، وإلى مراكز إيواء، مما يجعل النساء والفتيات دون حماية فعالة.
وتبقى النساء المهاجرات واللاجئات من أكثر الفئات تعرضًا للانتهاكات، حيث يتعرضن للاحتجاز التعسفي، والعنف الجنسي، والاستغلال، في مراكز احتجاز تفتقر إلى الحد الأدنى من المعايير الإنسانية. وقد وثقت تقارير أممية حالات اغتصاب واعتداء جنسي في مراكز احتجاز تابعة لجهاز مكافحة الهجرة، دون أي تحقيقات أو مساءلة.
كما يستمر التمييز القانوني ضد النساء، خاصة فيما يتعلق بمنح الجنسية لأبناء الليبيات المتزوجات من أجانب، رغم وجود نصوص قانونية تجيز ذلك. وتفرض اللائحة التنفيذية قيودًا تعسفية، بما في ذلك الحظر على منح الجنسية لأبناء الليبيات المتزوجات من فلسطينيين، مما يحرم آلاف الأطفال من حقوقهم الأساسية.
وفي المجال السياسي، تراجعت مشاركة النساء بشكل ملحوظ، سواء في الانتخابات أو في المناصب الحكومية، في ظل بيئة معادية للنساء، تتسم بالعنف السياسي، وخطاب الكراهية، وغياب الإرادة السياسية لتمكين المرأة. وقد وثقت تقارير أممية أن النساء اللواتي يشاركن في الحياة العامة يتعرضن لحملات تشويه وتهديدات مباشرة، مما يدفع الكثيرات إلى الانسحاب من المجال العام.
وتتفاقم معاناة النساء بسبب الأزمة الاقتصادية، حيث تواجه النساء صعوبات في الحصول على الخدمات الأساسية، ويتعرضن للعنف اللفظي والجسدي أثناء الوقوف في طوابير المصارف، ويتحملن أعباء إعالة الأسر في ظل غلاء الأسعار وتأخر المرتبات وانهيار الخدمات.
وفي ضوء هذه الانتهاكات، تدعو منظمة التضامن لحقوق الإنسان إلى اتخاذ خطوات عاجلة وملموسة لحماية النساء والفتيات في ليبيا، وتشمل توصياتها:
أولًا: إلى السلطات الليبية
- الكشف عن مصير المختفيات قسرًا، وعلى رأسهن النائبة سهام سرقيوه.
- التحقيق في جرائم القتل والاغتيال والعنف الجنسي والتعذيب، ومحاسبة المسؤولين عنها.
- إغلاق مراكز الاحتجاز غير القانونية، وضمان الرقابة القضائية على جميع أماكن الاحتجاز.
- اعتماد قانون شامل لمكافحة العنف ضد النساء، وتوفير أوامر حماية ومراكز إيواء.
- إلغاء القيود المفروضة على المجتمع المدني، وضمان حرية عمل المنظمات النسائية.
- تفعيل قانون الجنسية بما يضمن حقوق أبناء الليبيات المتزوجات من أجانب.
ثانيًا: إلى بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا
- دعم آليات المساءلة، وضمان وصول المقررين الخاصين إلى جميع المناطق.
- دعم خطة وطنية للنوع الاجتماعي، وبرامج حماية النساء والفتيات.
- تعزيز مراقبة الانتهاكات وتوثيقها، خاصة في أماكن الاحتجاز.
ثالثًا: إلى المجتمع الدولي
- دعم الجهود الرامية إلى إنهاء الإفلات من العقاب.
- توفير الدعم الفني والمالي لبرامج حماية النساء، خاصة الناجيات من العنف.
- حماية المهاجرات واللاجئات، وضمان عدم إعادتهم إلى أماكن الخطر.
إن منظمة التضامن لحقوق الإنسان، وهي تستحضر معاناة النساء والفتيات في ليبيا، تؤكد التزامها بمواصلة العمل من أجل كشف الحقيقة، والدفاع عن حقوق النساء، ومواجهة الإفلات من العقاب، وتدعو جميع الأطراف إلى تحمل مسؤولياتها لضمان مستقبل آمن وعادل للنساء في ليبيا.
منظمة التضامن لحقوق الإنسان
طرابلس – ليبيا
8 مارس 2026
المراجع:
- الأمم المتحدة: “اليوم الدولي للمرأة، 8 آذار/مارس“.
- منظمة التضامن لحقوق الإنسان: “وضع المرأة الليبية ما بين أعوام 2011-2018“، 8 مارس 2019.
- منظمة التضامن لحقوق الإنسان: “لأول مرة في ليبيا ومنذ عقدين من الزمان جريمة الاختفاء القسري تطال النساء“، بيان بمناسبة اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، 30 أغسطس 2019.
- قناة ليبيا الأحرار: “في سابقة هي الأولى .. أهالي ضحايا المقابر الجماعية بترهونة يتعرفون على هوياتهم من مقتنياتهم وملابسهم“، 11 يناير 2021.
- بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا: “بعد مرور ثلاثة أشهر على اختطاف النائبة سهام سرقيوه، الأمم المتحدة تطالب بالإفراج الفوري عنها وعن جميع ضحايا الاختفاء القسري في ليبيا“، 17 أكتوبر 2019.
- موقع BBC العربية: “حنان البرعصي: موجة غضب واسعة بعد اغتيال الناشطة والمحامية الليبية في بنغازي“، 11 نوفمبر 2020.
- قناة (CNN) بالعربي: “بعد يوم من انتقادها ابن خليفة حفتر.. مقتل المحامية الليبية حنان البرعصي يثير ضجة“، 13 نوفمبر2020.
- منظمة التضامن لحقوق الإنسان، بيان 8 مارس 2020.
- منظمة التضامن لحقوق الإنسان، تقرير 14 يناير 2021.
- وزارة التخطيط، مصلحة الإحصاء والتعداد: “المسح الوطني الليبي لصحة الأسرة – 2014، التقرير الرسمي“. فيما يخص العنف الأسري ضد المرأة، ذكرت الدراسة أن تقريبا 79% من النساء تعرضن للإيذاء اللفظي وتقول 50% من النساء أن أزوجهن كانوا المصدر الرئيسي لهذا الإيذاء.
- موقع العربي الجديد: “تحرّش جنسي متزايد في ليبيا“، أسامة على، 20 مارس 2019.
- موقع العربي الجديد: “تحرّش جنسي متزايد في ليبيا“، أسامة على، 20 مارس 2019.
- هيئة الأمم المتحدة للمرأة، الدول العربية: “بيان صحفي: لكون المرأة الليبية أصلاً مُستضعفة جراء انعدام الأمن والتمييز على أساس النوع الاجتماعي، من المرجح أن تكون الأشد تضرراً إذا انتشر فيروس كورونا في ليبيا التي مزقتها الحروب، تحذر هيئة الأمم المتحدة للمرأة“، 14 أبريل 2020.
- UN Women: “Gender-Sensitive Prevention, Response and Management Of Covid-19 Outbreak in Libya”, April 2020.
- مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان: “زيارة ليبيا – تقرير المقررة الخاصة المعنية بمسألة العنف ضد المرأة والفتاة وأسبابه وعواقبه“، 4 مايو 2023.
- مجلس حقوق الإنسان: “تقرير البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في ليبيا“، 27 يونيو 2022.
- مجلس حقوق الإنسان: “تقرير البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في ليبيا“، 1 أكتوبر 2021.
- مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان: “عمل كالمعتاد: انتهاكات حقوق الإنسان والتجاوزات ضد المهاجرين وطالبي اللجوء واللاجئين في ليبيا“، 17 فبراير 2026.
- مركز ديكاف: “قانون رقم (24) لسنة 2010 بشأن الجنسية“.
- المفكرة القانونية – تونس: “إبن الليبية المتزوجة من أجنبي، هوية ضائعة وحقوق تائهة“، جازية جبريل محمد، العدد 5، 8 يوليو 2016.



