منوعات

اليوم الدولي للقضاء على العنف الجنسي في حالات النزاع

في مجتمع محافظ، يتعامل مع مسائل العنف الجنسي والاغتصاب بأنها عار اجتماعي، شكلت مزاعم العنف الجنسي في الأيام الأولى من الثورة الليبية صدمة كبيرة وموجة غضب في أوساط المجتمع الليبي والدولي، وكما وصفها الدكتور شريف بسيوني، رئيس اللجنة الدولية للتحقيق في ليبيا، "هستيريا ضخمة"

يحي العالم اليوم الجمعة، الموافق التاسع عشر من يونيو[i]، “اليوم الدولي للقضاء على العنف الجنسي في حالات النزاع”[ii]، بهدف التوعية بالحاجة إلى وضع حد للعنف الجنسي المرتبط بالنزاعات وتكريم ضحايا العنف الجنسي في جميع أنحاء العالم، والإشادة بكل الذين تجاسروا فأخلصوا أوقاتهم للقضاء على هذه الجرائم وجادوا بأنفسهم في سبيل ذلك المقصد.

هذا العام، سيكون العام السادس الذي يحي فيه العالم هذه المناسبة، وبسبب جائحة كوفيد-19، ستكون الفاعلية لإحياء المناسبة فاعلية افتراضية[iii] يشارك في استضافتها كل من مكتب الممثل الخاص للأمين العام المعني بالعنف الجنسي في حالات النزاع، ومكتب الممثل الخاص للأمين العام للأطفال والصراعات المسلحة، والبعثة الدائمة للأرجنتين لدى الأمم المتحدة. والغرض من هذا الحدث هو تحديد عدد من الآثار والنتائج المتعلقة بآثار كوفيد-19 على حياة الناجين، وكذلك على تنفيذ ولاية المكاتب المعنية بالعنف الجنسي في حالات النزاع وعمل منظومة الأمم المتحدة ككل.

يشير مصطلح “العنف المرتبط بحالات الصراع” إلى الاغتصاب والتجارة الجنسية والبغاء القسري والحمل القسري والإجهاض القسري والتعقيم القسري والزواج القسري وغيرها من أشكال العنف الجنسي مما لها نفس الأثر الذي تتعرض له النساء والرجال والفتيات والفتيان سواء كان ذلك تعرضا مباشرا أو غير مباشرا مما يتصل بالعنف اتصالا مؤقتا أو جغرافيا أو عرفيا.

ومن الشواغل الدائمة هو شاغلي الخوف والعار الاجتماعي اللذان يتعاضدان بشكل يمنع السواد الأعظم من ضحايا العنف الجنسي من التبليغ عنه. ويشير العاملون في الميدان إلى أنه في مقابلة كل حالة اغتصاب واحدة يبلغ عنها، توجد هناك 10 إلى 20 حالة اغتصاب لا يُبلغ عنها.

ورغم أن كثير من الحالات تتأثر مباشرة بتهديد العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات وحدوثها وموروثاتها، فإن تقرير السنوي للأمين العام عن العنف الجنسي المتصل بالنزاعات، يركز على 19 حالة قُطرية تُتاح عنها معلومات موثوقة، ليبيا واحدة منها[iv].

تهديد العنف الجنسي برز على السطح في ليبيا منذ الأيام الأولى من النزاع المسلح في ليبيا، عندما لجأت كتائب الأمن التابعة للعقيد القذافي[v] إلى استخدام القوة في محاولة منها لإخماد المظاهرات الشعبية التي اندلعت في العديد من مدن ليبيا في فبراير من عام 2011. يصعب تحديد حجم استخدام كتائب القذافي “للاغتصاب كسلاح في النزاعات”، وإن كان هناك خلاف بين الخبراء الدوليين حول أعداد الضحايا[vi]، إلا أنه من “التقارير المتسقة من الناس، من المنظمات، من كيانات الأمم المتحدة وغيرها على الأرض … كان هذا [العنف الجنسي] جزء من الترسانة، [من] الأسلحة التي تستخدمها قوات القذافي”، السيدة مارجوت والستروم، الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة بشأن العنف الجنسي في النزاعات. وبرزت لاحقا أدلة على أن استخدام العنف الجنسي جاء في إطار سياسة وضعها النظام وبتشجيع منه وليس حوادث فردية[vii].

في مجتمع محافظ، يتعامل مع مسائل العنف الجنسي والاغتصاب بأنها عار اجتماعي، شكلت مزاعم العنف الجنسي في الأيام الأولى من الثورة الليبية صدمة كبيرة وموجة غضب في أوساط المجتمع الليبي والدولي، وكما وصفها الدكتور شريف بسيوني، رئيس اللجنة الدولية للتحقيق في ليبيا، “هستيريا ضخمة”. بدأت المزاعم عندما دخلت مواطنة ليبية، يوم السبت الموافق 26 مارس 2011، إيمان العبيدي، فندق ريكسوس في طرابلس[viii]، يقيم فيه صحفيون ومراسلون أجانب، وأدعت أنها “تعرضت للتعذيب والاغتصاب على أيدي رجال القذافي”، وصرخت ” انظروا إلى ما يحدث.. مليشيات القذافي تختطف النساء بالسلاح وتغتصبهن.. إنهم يغتصبونهن”.

استخدام العنف كسلاح حرب في ليبيا، لم يتوقف بأسر ومقتل العقيد معمر القذافي، في أكتوبر 2011، بل هو مستمر الى الآن، ويمارس على نطاق واسع وخاصة في السجون والمعتقلات في ليبيا. لقد تحصلت منظمة التضامن على شهادات من ضحايا العنف الجنسي، رجال ونساء وأطفال، تعرضوا للاعتداء والتحرش الجنسي في المعتقلات والسجون؛ في الشرق في سجن قرناده (البيضاء) وسجن الكويفيه وسجن الشرطة العسكرية (بنغازي)، وفي الغرب في سجن معيتيقه (طرابلس) وسجن الجوية (مصراته) وغيرها من السجون والمعتقلات التي تسيطر عليها المليشيات المسلحة.

وتتعرض النساء والفتيات المهاجرات بوجه خاص للاغتصاب، والبغاء القسري، وغيرهما من أشكال العنف الجنسي. ويتعرض كثيرون لممارسة البغاء بالإكراه وللاستغلال الجنسي في ظروف تصل إلى مستوى الاسترقاق[ix]. و لا يقتصر ارتكاب هذه الجرائم على المهربين، والمتجرين في البشر، والشبكات الإجرامية، وإنما شمل في بعض الحالات أفرادا من الشرطة والحراس المرتبطين بوزارة الداخلية. كذلك تورط في تلك الانتهاكات جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية وخفر السواحل. وتم أيضا توثيق اعتداء جنسي في جهاز الأمن الداخلي في سجن الكويفية[x].

كذلك تم توثيق ضلوع “تنظيم الدولة الإسلامية”، داعش، في عمليات اختطاف النساء والأطفال والاعتداء عليهم جنسيا. وقامت السلطات الليبية باحتجاز عدد من النساء والفتيات اللاتي تم تحريرهن من قبضة تنظيم داعش، واحتجازهن في ظروف محفوفة بالمخاطر. فقد قامت قوات الأمن في مصراته، في أعقاب العمليات العسكرية في سرت ضد تنظيم داعش بالتحفظ على ما لا يقل عن 117 امرأة ليبية وأجنبية، ومنهن الكثيرات ممن عانين من الانتهاك البدني والجنسي، ثم نقلتهن الى سجن الجوية في ديسمبر 2016. ومن بين هؤلاء النساء، تم الافراج عن 31 امرأة في أبريل 2017، بعد أن برأتهن لجنة من النيابة العامة من تهم الإرهاب. أما المتبقيات فلا زلن محتجزات تعسفاً دون مراجعة قضائية. وتلقت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا تقارير تفيد بتعرض النساء المحتجزات في سجن الجوية لانتهاكات بدنية وجنسية[xi].

ظهور وانتشار أنماط العنف الجنسي في ليبيا يعود إلى نشأة وتجدد النزاعات والتطرف المصحوب بالعنف، مما ترتب على ذلك انتشار الأسلحة والمليشيات والنزوح والتهجير وانهيار سيادة القانون، ومن ثم لمعالجة والحد من العنف الجنسي في ليبيا، يجب إنهاء النزاع المسلح وإيجاد حل سياسي للأزمة في ليبيا. وإلى أن يتحقق ذلك يجب على الحكومة الليبية:

  • إخضاع جميع الادعاءات المتعلقة بالعنف الجنسي للتحقيق والملاحقة القضائية، وتوفير الحماية والخدمات الصحية والنفسية والاجتماعية الشاملة والتعويضات للضحايا،
  • التعامل مع القضايا المتعلقة بالعنف الجنسي بكل خصوصية لحماية هوية الضحايا، ممن يرغبون في بقاء هويتهم مخفية لاعتبارات اجتماعية أو خوف من الانتقام،
  • الإفراج عن جميع أولئك المحتجزين تعسفا ومن دون أساس قانوني، وخاصة أولئك الناجون من الاتجار والتعذيب والاغتصاب،
  • اتخاذ التدابير اللازمة لحماية المحتجزات من التعرض للعنف الجنسي والاستغلال الجنسي، بدأً بتوظيف حارسات في المرافق النسائية والسماح بإيصال المساعدات الإنسانية،
  • تيسير ودعم عمل خبراء الأمم المتحدة المتخصصين في قضايا العنف الجنسي وتمكينهم من مقابلة الضحايا[xii]،
  • فصل الأحداث عن البالغين في السجون حتى لا يتعرضوا للعنف الجنسي، وتكثيف زيارات أولياء الأمور ومندوبي الرعاية الاجتماعية لهم،
  • إعادة النظر في سياسة الهجرة في ليبيا واتحاذ تدابير للحماية من أجل التخفيف من خطر العنف الجنسي في سياق احتجاز المهاجرين،
  • ألا تفترض، دون أدلة موثوقة، أن من يفلتون من قبضة تنظيم داعش متواطئون مع التنظيم وإنما ينبغي معاملتهم كضحايا للإرهاب[xiii]، و
  • تكثيف حملات التوعية والتدريب والتأهيل من أجل التقليل من الشعور بالعار الاجتماعي، مما يشجع الضحايا على الإبلاغ عن الانتهاكات.

[i] في 19 يونيو 2015، أعلنت الجمعية في قرارها رقم (A/RES/69/293) يوم 19 يونيو من كل عام بوصفه اليوم الدولي للقضاء على العنف الجنسي في حالات النزاع. ووقع الاختيار على ذلك التاريخ للتذكير باعتماد قرار مجلس الأمن 1820 (2008) في 19 يونيو 2008 ، الذي ندد فيه المجلس بالعنف الجنسي الذي تتخذ منه الجماعات الإرهابية والمتطرفة وغيرها أسلوبا من أساليب الحرب لإذلال المدنيين، فضلا عن أنه — أي العنف الجنسي — يمثل عقبة في سبيل بناء السلام.

[ii] الأمم المتحدة: “اليوم الدولي للقضاء على العنف الجنسي في حالات النزاع، 19 حزيران/يونيه“.

[iii] تقام الفعالية الافتراضية في 19 حزيران/يونيه 2020 (10 إلى 11:30 صباحًا بتوقيت شرق الولايات المتحدة)، وتبث الفعالية عبر البث الشبكي للأمم المتحدة. ويمكن تحميل برنامج الفعالية.

[iv] الأمم المتحدة، تقارير الأمين العام إلى مجلس الأمن حول العنف الجنسي المتصل بالنزاعات (ليبيا): تقرير عام 2015 (الصفحة 23)؛ تقرير عام 2016 (الصفحة 18)؛ تقرير عام 2017 (الصفحة 17)؛ وتقرير عام 2018 (الصفحة 16).

[v] العقيد القذافي نفسه تعرض للعنف الجنسي عندما تم أسره يوم 20 أكتوبر 2011.

[vi] وكالة رويترز: “الأمم المتحدة: الاغتصاب يستخدم كسلاح حرب في ليبيا وأماكن أخرى“، 10 يونيو 2011. مقتطف من التقرير، “قال المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لويس مورينو أوكامبو يوم الأربعاء إن محققي المحكمة الجنائية الدولية لديهم أدلة تربط الزعيم الليبي معمر القذافي بسياسة اغتصاب المعارضين وقد توجه اتهامات منفصلة بشأن هذه القضية.

يبدو أن شريف بسيوني، رئيس لجنة تحقيق في الأمم المتحدة التي ذهبت إلى المناطق التي يسيطر عليها المتمردون والقذافي، يلقي بظلال من الشك على تقرير المحكمة الجنائية الدولية يوم الخميس، على الرغم من أن تقرير فريقه اتهم القوات الحكومية بالقتل والتعذيب والاختطاف. وقال بسيوني إن كل جانب اتهم الآخر بنشر مقاتلين مسلحين بعقاقير عاجزة للقيام بعمليات اغتصاب ، مما خلق ما وصفه بـ ’الهستيريا الضخمة’ في ليبيا.

كشف فريقه عن أربع حالات مزعومة فقط – إيمان العبيدي التي زعمت أنها تعرضت للاغتصاب الجماعي من قبل رجال الميليشيات الموالية للحكومة وثلاث نساء في مصراتة قالوا إنهم تعرضوا للاعتداء الجنسي. هل يمكننا استنتاج أن هناك سياسة منهجية للاغتصاب؟ قال بسيوني في رأيي لا نستطيع. ’في الوقت الحالي ، الأرقام محدودة للغاية’.

لكن مارجوت والستروم، وزيرة سويدية سابقة والممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة بشأن العنف الجنسي في النزاعات، قالت إن المعلومات التي جمعها مكتبها دعمت وجهة نظر مورينو أوكامبو. وأبلغت الصحفيين ’كل ما نراه ونسمعه يشير إلى ذلك.” وأضافت: ’ما لدينا هو التقارير المتسقة من الناس، من المنظمات، من كيانات الأمم المتحدة وغيرها على الأرض’. ’من الصعب إعطائك رقمًا، لكن هذا جزء من الترسانة، الأسلحة التي تستخدمها قوات القذافي’”.

[vii] أبرز الأدلة التسجيل لمحادثة هاتفية بين البغدادي المحمودي، رئيس وزراء القذافي، والطيب الصافي أحد المقربين من القذافي، يتحدثوا فيها عن وجود أعداد كبيرة من قوات القذافي داخل مدينة زوارة، يوم 14مارس 2011. الاثنان لم يتحدثا صراحة عن الاغتصاب، ولكن تلميحا، ولم ينددا أو يستنكرا الأمر بل أجازوه. التسجيل نشر على موقع YouTube بتاريخ 4 سبتمبر 2011 (الرابط).

[viii] قناة الجزيرة: “ليبية تتهم كتائب القذافي باغتصابها“، 27 مارس 2011. قناة فرانس 24: “فرار الليبية التي اتهمت قوات القذافي باغتصابها إلى قطر“، 9 مايو 2011.

[ix] الأمم المتحدة: “تقرير الأمين العام إلى مجلس الأمن حول العنف الجنسي المتصل بالنزاعات“، 29 مارس 2019، الفقرة (55).

[x] الأمم المتحدة: “تقرير الأمين العام إلى مجلس الأمن حول العنف الجنسي المتصل بالنزاعات“، 23 مارس 2018، الفقرة (47).

[xi] الأمم المتحدة: “تقرير الأمين العام إلى مجلس الأمن حول العنف الجنسي المتصل بالنزاعات“، 23 مارس 2018، الفقرة (48).

[xii] من التجربة في التعامل مع هذه القضايا، وجدنا في منظمة التضامن أن بعض الضحايا يفضلون الحديث خبراء غير ليبيين بسبب شعورهم بالحرج في الحديث عن هكذا انتهاكات مع ليبيين.

[xiii] استجابة لتزايد التطرف العنيف، اعتمد مجلس الأمن القرار رقم(S/RES/2331)،وهو أول قرار يتناول العلاقة بين الاتجار والعنف الجنسي والإرهاب والجريمة المنظمة. واعترافا بالعنف الجنسي كتكتيك للإرهاب، أكد كذلك أن ضحايا الاتجار والعنف الجنسي الذي ترتكبه الجماعات الإرهابية ينبغي أن يكونوا مؤهلين للحصول على الإنصاف الرسمي كضحايا للإرهاب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق