| Ref: PRS 2026/06/1037 | 4 يونيو 2026 |
تتابع منظمة التضامن لحقوق الإنسان، ببالغ القلق والانشغال، الحملة المتصاعدة خلال الأسابيع الماضية ضد المهاجرين واللاجئين، وضد مكتب مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين (المفوضية) في ليبيا، والتي وصلت إلى حد الدعوة العلنية لطرد المفوضية من البلاد، والتشكيك في شرعية وجودها، واتهامها بالعمل على “توطين” اللاجئين في ليبيا بما يمسّ السيادة الوطنية.
وقد ترافقت هذه الحملة، التي تتسع عبر منصات التواصل الاجتماعي وبعض المنابر الإعلامية، مع دعوات للتجمع أمام مكتب المفوضية في طرابلس، ومع خطاب تحريضي يهدد السلم الأهلي، ويعرّض فئات ضعيفة، من بينهم نساء وأطفال، لخطر الاعتداءات والانتهاكات، كما حدث في عدة مدن خلال الأشهر الماضية.
أولًا: بشأن الادعاء بعدم وجود أساس قانوني لعمل المفوضية في ليبيا
تؤكد الصكوك القانونية الدولية، والإطار الدستوري الليبي، واجتهادات المحكمة العليا، أن وجود المفوضية في ليبيا قائم على أسس قانونية راسخة، من بينها:
- قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها رقم 428 (د-5) لسنة 1950 المنشئ للمفوضية، والذي أصبحت ليبيا ملزمة به عند انضمامها لميثاق الأمم المتحدة دون تحفظ.
- انضمام ليبيا إلى اتفاقية منظمة الوحدة الإفريقية للاجئين لعام 1969، التي تلزم الدول الأطراف بالتعاون مع المفوضية.
- اتفاقيتا الامتيازات والحصانات لعامي 1946 و1947 اللتان تمنحان وكالات الأمم المتحدة شخصية قانونية مستقلة وحق التراسل والتعاقد.
- الإطار الدستوري الليبي الذي يؤكد إلزامية المعاهدات الدولية وسموها على التشريعات الداخلية.
- اجتهادات المحكمة العليا الليبية التي أكدت سمو الاتفاقيات الدولية المصادق عليها على القوانين الوطنية.
وعليه، فإن الادعاء بأن وجود المفوضية “غير قانوني” أو “غير شرعي” ادعاء باطل قانونيًا ودبلوماسيًا، ويتعارض مع التزامات ليبيا الدولية.
ثانيًا: بشأن الادعاء بأن عمل المفوضية يمسّ السيادة الوطنية
إن الاعتقاد بأن وجود المفوضية يمسّ السيادة الليبية يعود أساسًا إلى فشل الحكومات الليبية المتعاقبة، منذ بدء عمل المفوضية في ليبيا عام 1991، في التفاوض والتوقيع على مذكرة تفاهم واضحة تنظم العلاقة بين الطرفين. هذا الفراغ المؤسسي سمح بانتشار تصورات خاطئة، وأدى إلى الاعتقاد بأن المفوضية تعمل دون رقابة.
ومن الأمثلة على هذا الفشل ما ورد في كلمة السفيرة الليبية في جنيف عام 2000، التي أكدت أن ليبيا كانت “تدرس مذكرة تفاهم مع المفوضية السامية للاجئين”. وبعد أكثر من عقدين، لم تُوقّع أي مذكرة تفاهم.
إن مذكرة التفاهم مع المفوضية لا تنتقص من السيادة، بل هي أداة سيادية تمنح الدولة الليبية السيطرة الكاملة على عمل المفوضية داخل ليبيا.
فالمذكرة:
- تحدد نطاق عمل المفوضية بدقة،
- توحّد قنوات الاتصال عبر جهة حكومية واحدة،
- تمنع التداخل بين المؤسسات،
- تضمن احترام السيادة الليبية، و
- تمنح الدولة سلطة تنظيم عمليات التسجيل والحماية والإجلاء.
وفي الواقع، فإن غياب مذكرة تفاهم هو ما يخلق الغموض ويترك العلاقة بلا إطار قانوني وإداري واضح.
ثالثًا: المخاطر المترتبة على استمرار الحملة ضد المفوضية
إن استمرار التحريض ضد المفوضية واللاجئين يعرّض ليبيا لمخاطر سياسية ودبلوماسية واقتصادية جسيمة، ويضعف قدرة الدولة على إدارة ملف الهجرة واللجوء، ويحرمها من الدعم الدولي، ويعزز نفوذ شبكات الاتجار بالبشر، ويهدد السلم الأهلي، ويضع ليبيا في مواجهة مباشرة مع التزاماتها الدولية، خاصة مع دخول “الميثاق الأوروبي الجديد للهجرة واللجوء” حيّز التنفيذ خلال الأشهر القادمة.
رابعًا: توصيات منظمة التضامن لحقوق الإنسان
- إصدار بيان حكومي رسمي
تدعو المنظمة حكومة الوحدة الوطنية إلى إصدار بيان واضح يرفض خطاب التحريض والكراهية ضد اللاجئين والمهاجرين، ويؤكد التزام ليبيا بواجباتها الدولية، ويوضح أن عمل المفوضية يتم ضمن إطار قانوني دولي معترف به، وأن دور الدولة هو تنظيمه لا تعطيله.
- دعوة المفوضية لاجتماع عاجل
توصي المنظمة بأن تبادر الحكومة إلى دعوة مكتب المفوضية لاجتماع رسمي وعاجل تُعرض فيه مخاوف الدولة وملاحظاتها، وتُناقش فيه سبل تحسين التنسيق وآليات العمل، بما يعزز الشفافية ويضمن احترام السيادة دون الإضرار بواجبات الحماية الإنسانية.
- الشروع في مفاوضات رسمية لتوقيع مذكرة تفاهم
تؤكد المنظمة أن البدء في مفاوضات جادة لتوقيع مذكرة تفاهم يمثل خطوة سيادية وتنظيمية ضرورية، تتيح للدولة تحديد نطاق عمل المفوضية وقنوات التواصل معها، وتضمن حماية مصالح ليبيا، وتوفر إطارًا قانونيًا يحمي اللاجئين وطالبي اللجوء من الانتهاكات والفوضى.
- حماية مكتب المفوضية وموظفيها
تدعو المنظمة الحكومة إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان أمن مكتب المفوضية وموظفيها الوطنيين والدوليين، ومنع أي تهديدات أو اعتداءات، باعتبار أن حماية البعثات الأممية جزء من التزامات الدولة المضيفة.
- منع التجمعات التحريضية التي قد تؤدي إلى العنف
توصي المنظمة بتوجيه الأجهزة الأمنية إلى منع التجمعات أو الدعوات ذات الطابع التحريضي أو العنصري، خصوصًا تلك التي قد تتحول إلى أعمال عنف ضد اللاجئين أو موظفي المفوضية، مع التأكيد على أن إدارة ملف الهجرة يجب أن تتم عبر مؤسسات الدولة لا عبر الشارع أو الخطاب الشعبوي.
الخلاصة
إن ليبيا، بتاريخها الإنساني ودورها الإقليمي، قادرة على إدارة ملف الهجرة واللجوء بطريقة تحفظ سيادتها وتنسجم مع التزاماتها الدولية، وتحمي في الوقت نفسه الفئات الضعيفة من اللاجئين والمهاجرين الذين وجدوا في ليبيا ملاذًا مؤقتًا أو محطة عبور. وإن اتخاذ خطوات مسؤولة ومدروسة—تبدأ بتهدئة الخطاب العام، وتعزيز التنسيق مع المفوضية، وتوقيع مذكرة تفاهم تنظم العلاقة—سيعزز مكانة ليبيا الدولية، ويحمي أمنها الداخلي، ويضمن معالجة هذا الملف الحساس بعيدًا عن التحريض والفوضى، وبما ينسجم مع قيم المجتمع الليبي ومصالح الدولة العليا.
وإضافةً إلى الالتزامات القانونية والإنسانية، تؤكد منظمة التضامن أن حماية الضعفاء ومساعدة عابر السبيل هي أيضًا واجبٌ أخلاقي وشرعي أصيل في دين الإسلام، الذي يدين به أغلب الشعب الليبي. فالقرآن الكريم يوصي بالإحسان إلى ابن السبيل في مواضع عديدة، وترسّخ السيرة النبوية مبدأ الجِوار؛ أي توفير الحماية لمن يلجأ طلبًا للأمان. وقد هاجر المسلمون الأوائل من مكة إلى الحبشة لاجئين فوجدوا الحماية عند النجاشي، وهاجر الرسول، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه من مكة إلى المدينة، حيث استقبلهم الأنصار بكرم وإيثار. هذه القيم المُؤسِسَة، قيم الرحمة والعدل ونصرة المظلوم، تتناقض تمامًا مع خطاب التحريض والإقصاء. وتُعرب منظمة التضامن عن أسفها لانضمام بعض المؤسسات الدينية في ليبيا إلى الحملة ضد اللاجئين والمفوضية، وهو موقف لا يعكس روح الإسلام ولا رسالته الأخلاقية.
منظمة التضامن لحقوق الإنسان
طرابلس – ليبيا
4 يونيو 2026


