الأخبارتقارير

منظمة التضامن لحقوق الإنسان: الأرشيف الوطني ركيزة للعدالة وحماية الذاكرة في ليبيا

بمناسبة الأسبوع الدولي للأرشيف 2026، الذي ينظمه المجلس الدولي للأرشيف تحت شعار “الأرشيف من أجل العدالة – الحقوق، الذاكرة، والمستقبل”، تؤكد منظمة التضامن لحقوق الإنسان أن حماية الأرشيف الوطني في ليبيا أصبحت ضرورة عاجلة لضمان الحقيقة والعدالة وسيادة القانون.

تشير المنظمة إلى أن ليبيا لا تزال تعاني من تشتت الذاكرة الوطنية، وضياع وثائق أساسية، وتدمير أرشيفات عامة وجامعية، إضافة إلى استمرار الإفلات من العقاب في ظل غياب منظومة أرشيفية موحدة وشفافة. كما يظل الإرث الاستعماري الإيطالي—وخاصة الأرشيفات المحفوظة في Ministero delle Colonie—أحد أبرز أسباب فجوات المعرفة التاريخية حول ليبيا.

وتؤكد المنظمة أن الأرشيف الوطني ليس مؤسسة تقنية، بل مؤسسة عدالة، وأداة لحماية حقوق الضحايا، وتوثيق الانتهاكات، ومنع تكرارها. كما أن حفظ الذاكرة هو جزء أساسي من جبر الضرر واستعادة الكرامة.

أبرز توصيات منظمة التضامن:

· إنشاء هيئة وطنية مستقلة للأرشيف الوطني.

· وضع استراتيجية وطنية لحماية الأرشيفات المهددة.

· إطلاق برنامج وطني للرقمنة الآمنة.

· استعادة الأرشيفات المنهوبة أو ضمان النفاذ إليها، خصوصًا الأرشيفات الإيطالية.

· حماية أرشيفات العدالة الانتقالية والمفقودين والمقابر الجماعية.

· دعم المكتبات العامة والجامعية وإعادة فتحها.

· إشراك الضحايا والمجتمعات المحلية في عمليات التوثيق.

وتختتم المنظمة بالتأكيد أن حماية الأرشيف الوطني هي حماية لليبيا نفسها: تاريخًا، وذاكرة، وحقوقًا، ومستقبلًا.

منظمة التضامن لحقوق الإنسان

طرابلس – ليبيا

=======

Ref: PRS 2026/06/104110 يونيو 2026

الأسبوع العالمي للأرشيف – 2026

الأرشيف الوطني في ليبيا: ركيزة العدالة ومرآة الذاكرة الجماعية

يمثّل الأرشيف الوطني في الدولة أحد أهم المكونات التي تحفظ هوية المجتمع وتوثّق مساراته السياسية والاجتماعية والثقافية. فهو ليس مجرد مستودع للوثائق، بل هو منظومة معرفية وأخلاقية تُبنى عليها العدالة، وتُستعاد من خلالها الحقيقة، وتُصان بها كرامة الأفراد والجماعات. إن الأرشيف هو ذاكرة الدولة، ومرجع العدالة، وأداة مساءلة، وضمانة لعدم التكرار. وفي بلد مثل ليبيا، حيث تتقاطع عقود من الاستبداد والنزاعات المسلحة والانقسام المؤسسي، يصبح الأرشيف الوطني شرطًا أساسيًا لتحقيق العدالة الانتقالية، وكشف الحقيقة، وإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة.

ويأتي موضوع الأسبوع العالمي للأرشيف لهذا العام، والذي أعلنه المجلس الدولي للأرشيف تحت شعار الأرشيف من أجل العدالة – الحقوق، الذاكرة، والمستقبل  منسجمًا تمامًا مع التحديات التي تواجه ليبيا، حيث تتعرض الذاكرة الوطنية للتشتت، والوثائق للضياع، والحقائق للطمس، والضحايا للإنكار. إن حماية وتطوير الأرشيف الوطني ليست مسألة تقنية فحسب، بل هي مسألة عدالة وحقوق وذاكرة وهوية.

ليبيا وإرث الاستعمار: ذاكرة منقوصة وأرشيفات مفقودة

لا تزال ليبيا تعاني من آثار الإرث الاستعماري الإيطالي الذي ترك ندوبًا عميقة في بنيتها الأرشيفية. فقد نُقلت آلاف الوثائق إلى روما خلال فترة الاحتلال، بما في ذلك سجلات الأراضي، ووثائق الإدارة المحلية، وأرشيفات المحاكم الشرعية، وملفات البلديات، والخرائط، وأرشيفات المقاومة الليبية. ويُعد أرشيف وزارة المستعمرات الإيطالية أحد أهم المستودعات التي لا تزال تحتفظ بوثائق حساسة تتعلق بليبيا والليبيين، بما في ذلك سجلات التهجير القسري، ومعسكرات الاعتقال، وسياسات المصادرة، والعمليات العسكرية. هذا النقل القسري للوثائق خلق فجوة معرفية واسعة، وأدى إلى تشويه الذاكرة التاريخية، وأضعف قدرة الليبيين على الوصول إلى الحقيقة حول تاريخهم السياسي والاجتماعي.

كما أن عقود الحكم الفردي لاحقًا عمّقت هذا التشويه عبر تدمير الأرشيفات غير المرغوب فيها، وإخفاء الوثائق المتعلقة بالانتهاكات، والسيطرة الأمنية على المعلومات، وصولًا إلى كارثة حرق السجل العقاري سنة 1985 التي دمّرت أكثر من 300 ألف وثيقة. إن معالجة إرث حقبة الاستعمار وحقبة الاستبداد السياسي شرط أساسي لبناء مستقبل قائم على الحقيقة والعدالة.

المحاور الخمسة للأسبوع العالمي للأرشيف – 2026: قراءة في السياق الليبي

  1. الأرشيف من أجل المساءلة: سيادة القانون، الحقيقة، والعدالة الانتقالية

في ليبيا، حيث تتراكم الانتهاكات دون تحقيقات، يُصبح الأرشيف الوطني أداة مركزية لكشف الحقيقة حول المقابر الجماعية، وجرائم القتل خارج القانون، والاختفاء القسري، والتعذيب، وجرائم الميليشيات، وجرائم الاتجار بالبشر، وكارثة فيضان درنة 2023. إن غياب منظومة أرشيفية موحدة وشفافة يساهم مباشرة في ترسيخ الإفلات من العقاب، ويجعل من الصعب على القضاء أداء دوره، ويمنع الضحايا من الوصول إلى الحقيقة.

كما أن تشتت الوثائق بين سلطات متوازية، ومؤسسات منقسمة، ومجموعات مسلحة، يقوّض قدرة الدولة على حفظ السجلات الرسمية، ويجعل من الأرشيف نفسه ضحية للنزاع. إن بناء منظومة أرشيفية قوية هو شرط أساسي لإعادة الاعتبار لسيادة القانون، ولضمان أن تكون العدالة الانتقالية مبنية على أدلة موثقة لا على روايات متضاربة.

  1. الأرشيف من أجل الذاكرة: الاعتراف، الكرامة، وتجارب الضحايا

الأرشيف ليس فقط وثائق رسمية؛ إنه أيضًا شهادات الضحايا، والروايات الشفوية، والصور والمراسلات، وأرشيفات المجتمع المحلي، وذاكرة المفقودين والمختفين. وفي ليبيا، حيث لا تزال آلاف العائلات تبحث عن مصير أبنائها، يصبح حفظ الذاكرة جزءًا من جبر الضرر واستعادة الكرامة.

إن تجاهل الذاكرة هو شكل من أشكال العنف الرمزي، وهو امتداد للانتهاك نفسه. فحين تُهمل شهادات الضحايا أو تُطمس، يُعاد إنتاج الألم، وتُفتح جراح جديدة. إن الأرشيف هو الوسيلة التي تمنح الضحايا صوتًا، وتعيد الاعتراف بمعاناتهم، وتمنع محو قصصهم، وتُسهم في بناء سردية وطنية جامعة لا تُقصي أحدًا.

  1. الأرشيف من أجل الشمول: النفاذ، المشاركة، وتمكين المجتمعات

تعاني ليبيا من فجوة كبيرة في النفاذ إلى المعلومات، حيث لا تُنشر القوانين والقرارات بانتظام، والمواقع الرسمية معطلة أو غير محدثة، والوثائق غير متاحة للجمهور، والأرشيفات الجامعية مغلقة أو مهددة، والمكتبات العامة اختفت من المدن، ودار الكتب الوطنية مغلقة منذ 2011. هذا الوضع يحرم المواطنين من حقهم في المعرفة، ويقوّض المشاركة العامة، ويضعف الثقة في المؤسسات.

إن بناء أرشيف وطني حديث يتطلب إشراك المجتمعات المحلية، وتمكين الباحثين والضحايا، واحترام المعرفة التقليدية، ودعم المبادرات المجتمعية في التوثيق. فالأرشيف ليس ملكًا للدولة وحدها، بل هو حق جماعي، ولا يمكن أن يكون شاملًا إلا إذا شارك الجميع في صناعته وحمايته.

  1. الأرشيف، الإرث الاستعماري، والسياقات غير السيادية: الذاكرة المنهوبة

ليبيا مثال واضح على هذا المحور، حيث نُقلت أرشيفات كاملة إلى الخارج خلال الحقبة الاستعمارية، وضاعت وثائق خلال الحروب العالمية، ودُمّرت سجلات خلال النزاعات الداخلية، وتشتتت الأرشيفات بين جهات متوازية، وسيطرت مجموعات مسلحة على مؤسسات أرشيفية. كما أن الرقمنة، رغم أهميتها، لا تعوّض الوثيقة الأصلية، ولا تحلّ إشكاليات الملكية والحفظ.

إن استعادة الأرشيفات المنهوبة، أو على الأقل ضمان النفاذ إليها، جزء من العدالة التاريخية. كما أن حماية الأرشيفات المحلية من التهديدات الحالية، سواء كانت سياسية أو أمنية أو مؤسسية، ضرورة ملحّة لضمان عدم تكرار فقدان الذاكرة الوطنية.

  1. الأرشيف من أجل عدالة المستقبل: التكنولوجيا، الذكاء الاصطناعي، والمسؤولية

مع توسع استخدام قواعد البيانات، والذكاء الاصطناعي، والأرشفة الرقمية، تواجه ليبيا تحديات كبيرة، أهمها غياب التشريعات المنظمة، وضعف البنية التحتية الرقمية، ومخاطر الاختراق والتلاعب، وفقدان البيانات بسبب الانقطاع الكهربائي، وغياب معايير الحفظ طويل المدى. إن بناء مستقبل قائم على العدالة يتطلب بنية رقمية آمنة، وتشريعات حديثة، وتدريب كوادر متخصصة، وحماية البيانات من التلاعب، وضمان استدامة الأرشيف الرقمي.

كما أن استخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل الوثائق، أو في التعرف على الضحايا، أو في إدارة قواعد البيانات، يجب أن يكون مصحوبًا بضمانات أخلاقية وقانونية تحمي الخصوصية، وتمنع إساءة استخدام البيانات، وتضمن أن تكون التكنولوجيا في خدمة العدالة لا في خدمة السلطة.

التحديات البنيوية للأرشيف الوطني الليبي

تواجه ليبيا تحديات بنيوية عميقة في مجال الأرشفة، أبرزها غياب استراتيجية وطنية موحدة، ونقص الكوادر المتخصصة، وتدهور البنية المؤسسية، وتهديدات مباشرة لمؤسسات الأرشيف، وفقدان ملايين الكتب والمخطوطات، وإغلاق المكتبات العامة والجامعية، وتشتت الوثائق بين جهات متوازية، وتدخلات سياسية وأمنية في إدارة الأرشيف. هذه التحديات لا تهدد الذاكرة فقط، بل تهدد الحق في المعرفة، والحق في الحقيقة، والحق في المشاركة العامة.

توصيات منظمة التضامن لحقوق الإنسان

  1. إنشاء هيئة وطنية مستقلة للأرشيف الوطني

إنشاء هيئة مستقلة هو الخطوة الأولى نحو بناء منظومة أرشيفية حديثة، إذ يضمن استقلالية القرار، ويمنع التدخلات السياسية، ويؤسس لبنية مؤسسية قادرة على إدارة الذاكرة الوطنية بكفاءة ومسؤولية، بعيدًا عن التجاذبات والصراعات.

  1. وضع استراتيجية وطنية لحماية الأرشيفات المهددة

إن وضع خطة وطنية شاملة لحماية الأرشيفات المهددة هو ضرورة ملحّة في ظل التهديدات التي تواجهها الوثائق في ليبيا، سواء بسبب الإهمال أو النزاعات أو الظروف البيئية. ويجب أن تشمل هذه الاستراتيجية حصرًا دقيقًا للأرشيفات، وتحديد أولويات التدخل، ووضع آليات للترميم والحفظ.

  1. إطلاق برنامج وطني للرقمنة الآمنة

يهدف هذا البرنامج إلى حماية الوثائق من التلف والضياع، وضمان استدامتها، وتسهيل النفاذ إليها، مع ضرورة توفير بنية تحتية رقمية آمنة تمنع الاختراق والتلاعب. كما يجب أن تُراعى في الرقمنة المعايير الدولية للحفظ طويل المدى.

  1. استعادة الأرشيفات المنهوبة أو ضمان النفاذ إليها

تمثل الأرشيفات المحفوظة في إيطاليا، وخاصة في أرشيف Ministero delle Colonie، جزءًا أساسيًا من الذاكرة الوطنية الليبية. إن استعادتها، أو على الأقل ضمان النفاذ إليها عبر اتفاقيات ثنائية، هو جزء من العدالة التاريخية، ويعيد إلى الليبيين حقهم في معرفة تاريخهم، ويُسهم في سد الفجوات المعرفية التي خلّفها الاستعمار.

  1. حماية أرشيفات العدالة الانتقالية

إن حماية سجلات المفقودين، وملفات المقابر الجماعية، ووثائق الانتهاكات، وأرشيفات المحاكم، شرط أساسي لضمان كشف الحقيقة، ومحاسبة الجناة، وجبر الضرر، ومنع تكرار الانتهاكات. ويجب أن تُعامل هذه الوثائق باعتبارها جزءًا من حقوق الضحايا.

  1. دعم المكتبات العامة والجامعية

إعادة الحياة إلى المكتبات العامة والجامعية يُعد خطوة ضرورية لإحياء الفضاء الثقافي والمعرفي، وتعزيز دور المؤسسات التعليمية في حفظ الذاكرة. كما أن دعم هذه المؤسسات يسهم في توفير بيئة بحثية تساعد على دراسة التاريخ الوطني وتوثيقه.

  1. إشراك الضحايا والمجتمعات المحلية في عمليات التوثيق

إشراك الضحايا والمجتمعات المحلية يضمن أن تكون الذاكرة الوطنية شاملة، وأن تُسمع أصوات الذين عانوا من الانتهاكات، وأن تُبنى المصالحة على أساس الاعتراف والعدالة. كما يعزز هذا النهج الثقة بين المواطنين والمؤسسات.

في هذا الأسبوع الدولي للأرشيف، تؤكد منظمة التضامن لحقوق الإنسان أن الأرشيف الوطني ليس مؤسسة تقنية، بل هو مؤسسة عدالة، وركيزة من ركائز سيادة القانون، وأداة لحماية الذاكرة الجماعية من التلاعب والطمس. ولا يمكن بناء مستقبل قائم على المصالحة دون حقيقة موثقة، وذاكرة محفوظة، وأرشيف آمن، ومؤسسات شفافة، ووعد صادق بعدم التكرار. إن حماية الأرشيف الوطني هو حماية لليبيا نفسها: تاريخًا، وذاكرة، وحقوقًا، ومستقبلًا.

منظمة التضامن لحقوق الإنسان
طرابلس – ليبيا
10 يونيو 2026

الهوامش والمراجع

  1. أرشيف وزارة المستعمرات الإيطالية Ministero delle Colonie، محفوظ في الأرشيف المركزي للدولة في روما، ويضم وثائق تتعلق بالسياسات الاستعمارية في ليبيا (1911–1943).
  2. تقرير LHRS: “الأرشيف الوطني في ليبيا: حماية الذاكرة وصون الهوية”، 18 يونيو 2025.
  3. تقرير LHRS: “اليوم الدولي للحق في معرفة الحقيقة بشأن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان”، 24 مارس 2026.
  4. الأمم المتحدة، مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان: “الحق في معرفة الحقيقة”، 2006.
  5. دار الكتب الوطنية – بنغازي، تقارير إعلامية حول الإغلاق منذ 2011.
  6. اليونسكو: تصنيف المركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية كمؤسسة تراث إنساني يجب حمايتها.
  7. المجلس الدولي للأرشيف ICA: وثيقة “Archives for Justice – Rights, Memory & Futures”، 2026.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى