| Ref: PRS 2026/06/1057 | 29 يونيو 2026 |
ثلاثون عامًا على مذبحة سجن أبو سليم
الحقيقة ثابتة، والعدالة غائبة، والإفلات من العقاب بلغ ذروته
اليوم الإثنين، الموافق 29 يونيو 2026، تحلّ الذكرى الثلاثون لمذبحة سجن أبو سليم، الجريمة التي ارتُكبت بدمٍ بارد داخل سجن يخضع لسلطة الدولة، وراح ضحيتها ما يقارب 1200 معتقل أعزل في واحدة من أبشع الجرائم الجماعية في تاريخ ليبيا الحديث.
ثلاثون عامًا مضت، وما زالت الحقيقة ثابتة، والعدالة غائبة، والإفلات من العقاب يتعمّق، بينما تستمر معاناة أسر الضحايا الذين لم يتلقّوا حتى اليوم إجابة واحدة عن مصير جثامين أبنائهم.
جريمة موثقة بالكامل – لا مجال للشك ولا للتأويل
خلال السنوات الماضية، وثّقت منظمة التضامن لحقوق الإنسان، عبر شهادات الناجين، ووثائق جهاز الأمن الداخلي للنظام السابق، وإفادات مسؤولين كبار في نظام القذافي، أن المذبحة كانت عملية قتل جماعي مخططة، أشرف عليها ونفّذها:
- عبد الله السنوسي، رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية،
- قيادات أمنية وعسكرية عليا،
- وبعلم مباشر من معمر القذافي.
وقد أدلى أحمد رمضان، مدير مكتب القذافي في باب العزيزية، بشهادة رسمية أكد فيها أن السنوسي هو صاحب فكرة المذبحة ومهندسها.
كما تضمّن ملف الاتهام الصادر عن مكتب النائب العام شهادات أكثر من 100 شاهد، بينهم سجناء سابقون، وضباط، وعناصر أمن، قدموا روايات متطابقة حول كيفية تنفيذ الجريمة، وأدوار المتهمين فيها.
العدالة الليبية: ثلاثة عقود من الإخفاق، وعقد كامل من التعطيل المتعمد
منذ 2011، تابعت منظمة التضامن مسار القضية أمام القضاء الليبي، وقد وثّقت في بياناتها السنوية (2016–2025) نمطًا ثابتًا من:
- التأجيلات المتكررة،
- التنحي غير المبرر،
- الإفراج عن متهمين دون أسباب،
- محاولات إسقاط القضية بمضي المدة،
- رفض تنفيذ أوامر القبض،
- غياب المتهمين الرئيسيين عن الجلسات،
- انعدام الشفافية،
- وانعدام الإرادة القضائية والسياسية.
وفي عام 2026، بلغ هذا الإخفاق ذروته عندما قامت محكمة استئناف طرابلس – الدائرة الجنائية الثالثة عشرة بإصدار حكم بتبرئة عبد الله السنوسي و31 من كبار قيادات النظام السابق من جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية دون أي تسبيب أو مبرر قانوني.
هذا الحكم لا يمثل مجرد خطأ قضائي، بل يمثل انحرافًا خطيرًا عن العدالة، ويقوّض ثقة الضحايا والمجتمع في استقلال القضاء ونزاهته.
محكمة استئناف طرابلس فقدت حيادها – ولأسر الضحايا الحق الكامل في الشك
بعد ثلاثة عقود من الانتظار، وأكثر من 13 عامًا من التقاضي، و17 جلسة منذ 2024، أصبح من الواضح أن:
- محكمة استئناف طرابلس غير قادرة على الفصل في القضية،
- محكمة استئناف طرابلس غير راغبة في الفصل في القضية،
- محكمة استئناف طرابلس تفتقر إلى الحيادية في تعاملها مع القضية،
- ومحكمة استئناف طرابلس تعرقل العدالة بشكل ممنهج.
إن محاولات إسقاط القضية، وإعادة تصنيفها، وإحالتها بين دوائر مختلفة، والإفراج عن المتهمين، وتجاهل أوامر القبض، وتجاهل أحكام المحكمة العليا، كلها تؤكد أن المحكمة لم تعد جهة قضائية محايدة.
المحكمة العليا هي الجهة الوحيدة القادرة على إنقاذ القضية
وفقًا للمادة (25) من قانون رقم (6) لسنة 1982 بشأن إعادة تنظيم المحكمة العليا، فإن المحكمة العليا: يجوز لها أن تفصل في موضوع الدعوى مباشرة إذا ألغت الحكم المطعون فيه وكان الموضوع صالحًا للفصل فيه.
وبما أن:
- المحكمة العليا سبق أن قضت بأن المذبحة جريمة ضد الإنسانية،
- الأدلة كاملة ومتكاملة،
- المتهمون معروفون،
- الشهادات موثقة،
- محكمة الاستئناف عجزت عن الفصل،
- محكمة الاستئناف أصدرت أحكامًا مخالفة للقانون،
- ومحكمة الاستئناف فقدت حيادها.
فإن منظمة التضامن تطالب المحكمة العليا بـ:
- تولي نظر القضية مباشرة،
- إلغاء حكم البراءة الصادر بحق السنوسي وآخرين في القضية الجنائية تحت رقم (630_2014) قضية قمع ثورة 17 فبراير،
- إصدار أوامر قبض فورية بحق جميع المتهمين،
- وقف أي إجراءات إفراج أو تسوية أو مصالحة تتعلق بالمتهمين،
- ضمان علنية المحاكمة وبث جلساتها،
- وحماية أسر الضحايا من أي ضغوط أو تهديدات.
المصالحة لا يمكن أن تكون على حساب العدالة
إن أي محاولة لتمرير الإفراج عن المتهمين تحت غطاء “المصالحة” أو “الظروف الصحية” أو “التهدئة السياسية” هي محاولة لإعادة إنتاج الإفلات من العقاب، وتهديد مباشر للسلم الاجتماعي.
المصالحة الحقيقية تبدأ من:
- كشف الحقيقة
- محاسبة الجناة
- جبر الضرر
- ضمان عدم التكرار
ولا يمكن أن تقوم على طمس الجرائم أو تبييض سجلّ مرتكبيها.
رسالة منظمة التضامن إلى أسر الضحايا
إلى كل أم فقدت ابنًا، إلى كل أب ينتظر الحقيقة، إلى كل أسرة لم تتسلّم جثمانًا، إلى كل طفل كبر وهو يحمل سؤالًا بلا جواب:
لن نتوقف. لن نصمت. لن نساوم. ولن نقبل أن تُدفن الحقيقة مع الضحايا.
مطالب منظمة التضامن في الذكرى الثلاثين
- تدخل المحكمة العليا مباشرة في القضية وفق المادة (25) من قانون رقم (6) لسنة 1982م “بشأن إعادة تنظيم المحكمة العليا”،
- إلغاء حكم البراءة الصادر بحق السنوسي وقيادات النظام السابق في القضية الجنائية تحت رقم (630_2014) قضية قمع ثورة 17 فبراير،
- تنفيذ أوامر القبض بحق جميع المتهمين،
- إعلان نتائج التحقيقات المتعلقة بالجثامين ومكان دفنها،
- إحالة أي قاضٍ أو مسؤول ساهم في تعطيل القضية إلى التفتيش القضائي،
- تفعيل العدالة الانتقالية وفق القانون رقم (29) لسنة 2013،
- الاستعانة بالولاية القضائية العالمية إذا استمر تعطيل العدالة داخل ليبيا،
- ضمان حماية أسر الضحايا من أي ضغوط أو تهديدات،
- واعتبار 29 يونيو يومًا وطنيًا للذاكرة والعدالة.
ختام
ثلاثون عامًا مرت، لكن الجريمة لم تسقط، والحق لم يمت، والعدالة لم تُدفن. إن مذبحة سجن أبو سليم ليست مجرد صفحة مظلمة في تاريخ ليبيا، بل هي امتحان مستمر لضمير الدولة، ولقدرة مؤسساتها على مواجهة الحقيقة.
ستظل منظمة التضامن لحقوق الإنسان، ومعها أسر الضحايا، ثابتة في موقفها: لا مصالحة بلا عدالة، ولا عدالة بلا محاسبة، ولا محاسبة بلا إرادة قضائية مستقلة.
منظمة التضامن لحقوق الإنسان
طرابلس – ليبيا
29 يونيو 2026



